دوامة التصعيد في مضيقي هرمز وباب المندب
بقلم الدكتور. احمد صفوت السنباطي
حين نتحدث عن دوامة التصعيد في مضيقَي العالم، فإننا لا نتحدث عن أزمة منفصلة في مكانين متباعدين، بل عن نظام واحد بدأ يتفكك من نقطتين في آنٍ واحد، حيث يلتقي مضيق هرمز في الخليج مع باب المندب في البحر الأحمر ليشكلا معاً ما يمكن وصفه بالحصار المزدوج الذي لا يترك مجالاً للتنفس، فهرمز كان دائماً الحلق الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، وباب المندب كان دائماً البوابة الجنوبية التي تربط تلك الإمدادات بالعالم عبر قناة السويس، وحين يُغلق الأول أو يُضيق يلجأ الجميع إلى الثاني كبديل، وحين يُغلق الثاني أيضاً لا يبقى بديل إلا الدوران حول رأس الرجاء الصالح بكل ما يحمله ذلك من كلفة ووقت ما حدث في عام 2026 لم يكن مجرد توتر عابر بل كان انزلاقاً متسارعاً من أزمة إلى أزمة، فبعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير أُغلقت هرمز فعلياً أمام حركة الناقلات، وتحولت السعودية إلى أنبوبها الشرقي الغربي الذي يضخ النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لتصبح باب المندب هي الشريان الوحيد الذي يخرج منه النفط السعودي إلى آسيا، لكن الحوثيين الذين كانوا يوسعون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن اقتربوا من المضيق وبدأوا يستهدفون الناقلات السعودية، حتى أن هجماتهم بالطائرات المسيّرة على أنبوب النفط الشرقي الغربي نفسه أجبرت الرياض على تعليق العمليات فيه مؤقتاً، وهكذا وجدت السعودية نفسها بين مضيقين لا تستطيع الاعتماد على أي منهما.
المفارقة الكبرى أن محاولة الهروب من هرمز دفعت العالم إلى باب المندب، ومحاولة تأمين باب المندب دفعت السعودية إلى هرمز مجدداً عبر عمليات نقل نفط ليلية بمساعدة عسكرية أمريكية، حيث تبحر الناقلات بتردداتها مغلقة ثم تنقل حمولتها إلى سفن تنتظر في خليج عمان، وهذا ما دفع إيران إلى تصعيد هجماتها على السفن في هرمز انتقاماً، حتى وصل عدد الهجمات في نصف أكتوبر وحده إلى أكثر من عشرين هجوماً، وغرقت سفينتا شحن في حوادث منفصلة، هذا التبادل في الضغط بين المضيقين هو جوهر الدوامة، فكل طرف يدفع خصمه نحو المضيق الآخر، وكل ضغطة في أحدهما تنعكس فوراً على الثاني، والنتيجة أن نظام الطاقة العالمي لم يعد يتعامل مع نقطة اختناق واحدة يمكن إدارتها بل مع شبكة من نقاط الاختناق التي تتداعى إحداها بعد الأخرى، فحين تتعطل هرمز تتحول الإمدادات إلى البحر الأحمر، وحين يتعطل باب المندب تعود الإمدادات إلى هرمز، وحين يتعطل الاثنان معاً لا يبقى سوى الدوران حول أفريقيا الذي يضيف أسابيع إلى الرحلة ويرفع كلفة التأمين والشحن إلى أضعافها.
الأرقام تكشف حجم الكارثة، ففي ذروة عمل أنبوب ينبع كانت نحو 4.5 مليون برميل يومياً تُصدر من البحر الأحمر منها 3 ملايين تمر عبر باب المندب ثم انهارت هذه التدفقات عندما تصاعد تهديد الحوثيين في الصيف، وفي هرمز الذي كان يمر عبره نحو خمس النفط البحري العالمي انخفضت حركة الناقلات إلى جزء ضئيل من مستويات ما قبل الحرب وارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل مع تحذيرات من أن استمرار الاضطراب المزدوج قد يدفعها إلى 110 أو 120 دولاراً، والأخطر من ذلك أن الأثر لا يتوقف عند النفط، فباب المندب يحمل أيضاً نحو 12% من التجارة العالمية بما فيها الحاويات والأسمدة والمواد الغذائية بين آسيا وأوروبا، وانقطاعه يعني أن كل سلعة تحتاج إلى شحن من الشرق إلى الغرب ستتكلف أكثر وتتأخر أكثر، صندوق النقد الدولي وصف ما يجري بأنه أكبر صدمة نفطية منذ خمسة أو ستة عقود وتوقع انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 2% في 2026 مع الإشارة إلى أن دولاً مثل الكويت وقطر والعراق تعاني أكثر لأنها لا تملك بديلاً عن هرمز بينما استطاعت السعودية والإمارات تخفيف الضرر جزئياً عبر أنابيبها لكن حتى هذه الأخيرة لم تعد آمنة عندما تحول باب المندب إلى ساحة استهداف. في النهاية دوامة التصعيد في المضيقين ليست مجرد مشكلة عسكرية أو أمنية بل هي لحظة انكشاف لهشاشة نظام الطاقة العالمي بأكمله، نظام بُني لعقود على افتراض أن هذه الممرات ستبقى مفتوحة وأن أي إغلاق مؤقت يمكن تعويضه من مكان آخر، لكن ما يكشفه 2026 هو أن المكان الآخر قد يكون هو نفسه تحت النار، وأن تفكيك نظام الطاقة لا يحدث بضربة واحدة بل بضغطتين متزامنتين لا تتركان للعالم سوى أن يشاهد الأسعار ترتفع والبدائل تنفد والخرائط التي رسمها خبراء الطاقة لعقود وهي تتحول إلى أوراق قديمة.
التعليقات الأخيرة