حين تصبح الفضيحة وسيلة للشهرة من يحمي براءة الأطفال من عبث التريند ليست كل مشاهدة نجاحا وليست كل شهرة تستحق أن يدفع ثمنها من كرامة الإنسان
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ للتواصل وتبادل المعرفة والأفكار بل تحولت لدى البعض إلى ساحات مفتوحة للبحث عن الشهرة بأي ثمن حتى وإن كان الثمن هو تجاوز حدود الذوق العام أو تحويل الخصوصية الإنسانية إلى مادة للضحك والتعليقات والتداول
ومن بين المشاهد التي أثارت جدلا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو متداول ظهرت فيه سيدة تتحدث عن رغبتها في صناعة محتوى يحقق لها الشهرة بل وتربط شهرتها بفكرة الفضيحة في تصريحات أثارت استياء قطاعات من المتابعين خاصة مع ظهور طفلها الصغير بجوارها
وهنا لا أتوقف أمام شخص بعينه بقدر ما أتوقف أمام ظاهرة تستحق أن نواجهها بشجاعة ووعي
فمتى أصبحت الفضيحة مشروعا للشهرة ومتى تحول التنازل عن الخصوصية إلى وسيلة لجذب المتابعين
إن حرية الإنسان في التعبير عن نفسه حق لا جدال فيه لكن الحرية لا تعني غياب المسؤولية ولا تعني أن تتحول منصات التواصل إلى مساحة مفتوحة لكل ما يجرح الذوق العام أو يهز القيم التي يقوم عليها المجتمع
والأخطر في مثل هذه المشاهد ليس فقط طبيعة التصريحات وإنما وجود طفل صغير يشاهد ويسمع ويتأثر دون أن يمتلك القدرة على إدراك أبعاد ما يحدث حوله
فالطفل لا يحتاج إلى أم مثالية لا تخطئ لكنه يحتاج إلى أم تدرك أن تصرفاتها تترك أثرا في وجدانه وأن ما يراه اليوم قد يصبح جزءا من وعيه غدا
الأمومة ليست لقبا نحمله بل مسؤولية نمارسها
ومن حق كل أم أن تعيش حياتها وأن تعمل وأن تبحث عن مصدر دخل أو مساحة للتعبير عن ذاتها لكن من حق الطفل أيضا أن نحمي براءته من أن تتحول حياته الأسرية إلى مادة متاحة للتعليقات والسخرية والتداول
وهنا تبرز مسؤولية المجتمع أيضا فليس من العدل أن ننتقد صناع المحتوى ثم نمنح المحتوى المثير للجدل آلاف المشاهدات ونعيد نشره ونساهم في انتشاره ثم نتساءل عن أسباب تفشي هذه الظواهر
فالتريند لا يصنعه صاحب المقطع وحده بل تصنعه أيضا أعين تتابع وأصابع تعيد النشر وتعليقات تمنح الإساءة عمرا أطول
إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمعنى الشهرة الحقيقية فهناك فرق كبير بين أن يعرفك الناس لأنك أضفت إلى حياتهم قيمة وأن يعرفوك لأنك تجاوزت حدود المقبول
الأولى تصنع احتراما يبقى والثانية قد تصنع ضجيجا ينتهي لكن آثارها قد تظل عالقة في ذاكرة طفل لم يختر أن يكون جزءا من هذا المشهد
ولا ينبغي أن ننسى أن كرامة الإنسان لا تقاس بعدد المتابعين ولا قيمة المرأة بحجم الجدل الذي تثيره ولا نجاح الأم بما تحققه من مشاهدات وإنما بما تتركه من أثر طيب في حياة أبنائها ومجتمعها
لسنا دعاة وصاية على الناس ولا نملك حق إصدار الأحكام على نياتهم لكننا نملك حق مناقشة السلوك العام والدفاع عن حق الأطفال في الحماية والمطالبة بمحتوى يحترم الإنسان ولا يجعل من تجاوز الحدود وسيلة للانتشار
فليست كل شهرة مجدا وليست كل فضيحة بطولة وليس كل ما يجذب العيون يستحق أن يسكن العقول
رسالة أخيرة
إن أقوى ما تطرحه هذه الواقعة ليس إدانة امرأة أو التشهير بها ولا إصدار أحكام على أشخاص وإنما مواجهة ظاهرة اجتماعية تتسع يوما بعد يوم وتستحق منا وقفة جادة ومسؤولة
فإذا كان الكبار يتسابقون على الشهرة بأي ثمن وإذا أصبحت الخصوصية والحياء والقيم الإنسانية مادة للمشاهدات والتفاعل فمن يحمي عقول الصغار من ثمن هذه الشهرة
ومن يشرح لطفل صغير أن ما يراه أمامه ليس بالضرورة سلوكا يحتذى وأن قيمة الإنسان أكبر بكثير من عدد المتابعين وأن احترام الذات لا يشترى بالتصفيق الإلكتروني
إن الأطفال ليسوا جمهورا لمحتوى الكبار ولا أدوات لتحقيق الانتشار ولا ينبغي أن يدفعوا ثمن اختيارات لم يشاركوا فيها
فالشهرة قد تصنع اسما في لحظة لكن التربية هي التي تصنع إنسانا يبقى أثره عمرا كاملا
وهنا تظل مسؤوليتنا جميعا أن نختار أي مجتمع نريد أن نتركه لأبنائنا وأي قيم نريد أن يرثوها عنا
همسة النفس
حين يبحث الإنسان عن قيمته في أعين الآخرين قد ينسى أن قيمته الحقيقية تبدأ من احترامه لنفسه ومن إدراكه أن هناك أشياء لا ينبغي أن تكون ثمنا لأي شهرة
رسالة المقال
إلى كل أب وأم وصانع محتوى تذكروا أن خلف كل شاشة طفلا يتعلم وأن الكلمة والصورة والسلوك قد تصبح درسا لا يمحى من ذاكرته فلا تجعلوا البحث عن التصفيق الرقمي يسرق من أبنائكم حقهم في القدوة والخصوصية والأمان
بصمة السلسلة
النفس هي منبع الفكر والفكر هو صانع السلوك والسلوك هو المرآة الحقيقية التي يرى المجتمع من خلالها أخلاق أفراده
قال الله تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾
صدق الله العظيم
سورة التحريم الآية 6
بقلم الدكتورة راندا أبو النجا
التعليقات الأخيرة