في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وأصبح فيه الاعتراض على بعض السلوكيات يُصنَّف أحيانًا باعتباره هجومًا شخصيًا أو تعديًا على الحريات، خرجت الإعلامية الكبيرة نجوى إبراهيم لتقول رأيًا ربما كان كثيرون يتداولونه في جلساتهم الخاصة، لكنهم يترددون في إعلانه أمام الرأي العام.
حديث نجوى إبراهيم عن ملابس بعض الفنانات وإطلالاتهن في المهرجانات الفنية، وعلى رأسها مهرجان الجونة السينمائي، فتح بابًا واسعًا للجدل، بعدما انتقدت المبالغة في بعض المظاهر، وتساءلت عن الرسالة التي تقدمها هذه الإطلالات إلى المجتمع والأجيال الجديدة.
وهنا أقول بوضوح: من حق نجوى إبراهيم أن تقول رأيها، ومن حق الجمهور أن يختلف معها، لكن ليس من حق أحد أن يصادر حقها في التعبير لمجرد أن رأيها لم يعجبه.
لقد تحدثت نجوى إبراهيم من واقع خبرة إعلامية طويلة، ومن موقع إعلامية ارتبط اسمها بأجيال من المصريين، وعُرفت بلقب «ماما نجوى»، وهو ما جعل حديثها يتجاوز مجرد التعليق على فستان أو إطلالة، ليطرح سؤالًا أكبر حول دور الفن والإعلام في تشكيل الذوق العام.
ولم تكن القضية في أن ترتدي فنانة فستانًا يعجب البعض أو لا يعجب الآخرين، فحرية الاختيار مكفولة للجميع، ولكن القضية الحقيقية هي: هل أصبحت المهرجانات الفنية مجرد منصات لاستعراض المظاهر، أم أنها لا تزال تحمل رسالة ثقافية وفنية وإبداعية تستحق الاهتمام؟
الفن حرية، ولكن الحرية لا تعني أن يصبح النقد ممنوعًا.
ومن حق الفنانة أن تختار ما ترتديه، ومن حق الصحفي والإعلامي والناقد أن يناقش اختياراتها، بشرط احترام الكرامة الإنسانية وعدم تحويل النقد إلى تجريح أو إساءة شخصية.
ولعل ما يستحق التوقف أمامه في هذه الواقعة هو رد فعل الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، الذي اعترض على تصريحات نجوى إبراهيم، وطالبها بتوضيح المقصود وعدم التعميم، معتبرًا أن حديثها مسّ الأسرة الفنية.
ومن جانبه، كان من حقه أن يعبر عن موقفه وأن يمنح الفنانين حق الرد، وهو ما أتاحته نجوى إبراهيم بالفعل خلال مداخلته معها في برنامج «بيت العز»، مؤكدة أنها لم تقصد إهانة أي فنانة، وأنها تحدثت بصفة «ماما نجوى» ومن منطلق الخوف على الأجيال الجديدة.
لكن السؤال الذي أطرحه هنا: لماذا نتعامل أحيانًا مع النقد وكأنه جريمة؟ ولماذا يتحول الاختلاف في الرأي إلى معركة للدفاع عن الأشخاص بدلًا من مناقشة مضمون الكلام؟
إن مكانة الفنان لا تمنحه حصانة من النقد، كما أن مكانة الإعلامي لا تمنحه الحق في الإساءة. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة من الحوار المحترم الذي تحتاج إليه الحياة الثقافية والفنية المصرية.
ولست هنا بصدد فرض وصاية على الفنانات أو التدخل في اختياراتهن الشخصية، وإنما أدعو إلى استعادة قيمة الذوق العام، واحترام طبيعة المناسبات، والتفرقة بين الأناقة والابتذال، وبين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية.
فالمهرجانات السينمائية ليست مجرد سجادة حمراء وعدسات تصوير ومنافسة على لفت الأنظار، بل هي واجهة ثقافية وفنية يفترض أن تعكس قيمة الإبداع المصري والعربي، وأن تمنح الأعمال الفنية المتميزة المساحة الأكبر من الاهتمام.
كلمة أخيرة:
تحية للإعلامية الكبيرة نجوى إبراهيم لأنها فتحت بابًا للنقاش، حتى وإن اختلفنا معها في بعض التعبيرات أو التفاصيل.
وتحية لكل من يملك الشجاعة ليقول رأيه، ولكل من يمتلك الرقي ليستمع إلى الرأي الآخر دون تخوين أو تجريح أو مصادرة.
فالمجتمعات لا تتقدم بالمجاملات، ولا تحافظ على قيمها بالصمت، وإنما تتقدم بالحوار والنقد والمراجعة واحترام الاختلاف.
وأقولها بوضوح: لسنا ضد حرية الفنانات، ولسنا مع فرض الوصاية على أحد، ولكننا أيضًا لسنا مع تحويل الحرية إلى مبرر لمنع النقد أو إسكات كل صوت مختلف.
فهل أصبح قول كلمة حق في زمن المجاملات يحتاج إلى شجاعة؟
التعليقات الأخيرة