الأصل في الإحسان
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا أن الأصل في الإحسان أن يكون منهجا مستمرا في حياة الفرد والمجتمع، يتطور بتطور حاجات الناس، ويستفيد من الوسائل الحديثة في تحقيق مقاصده، فالإسلام أسس للإحسان بإعتباره قيمة متجددة، تتسع صورها بإتساع حاجات الإنسان، وتتنوع وسائلها بتنوع الظروف والأحوال، فالإحسان في الإسلام خلق متصل وسلوك دائم، حيث قال تعالى " وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " ومن هنا فإن التوسعة على الفقراء ينبغي أن تكون مستمرة غير مرتبطة بموسم، فحاجة الفقير إلى الطعام والكساء والعلاج لا تتوقف بانقضاء الموسم، ولذلك يمكن تحويل الإحسان إلى برامج مستدامة، ككفالة الأسر، وتوفير السلال الغذائية بصورة دورية، وإنشاء مشروعات الوقف الخيري، ودعم الأسر المنتجة، بحيث ينتقل المجتمع من معالجة الحاجة الآنية إلى بناء أسباب الكفاية والإستغناء.
وإن إتساع المجتمعات وتشعب إحتياجاتها يجعل الإحسان في حاجة إلى تنظيم مؤسسي يضمن وصوله إلى مستحقيه، ويحفظ الأموال من الهدر، ويحقق أعلى قدر من النفع. ومن هنا تأتي أهمية دعم المؤسسات والجمعيات الموثوقة، والعاملين في مجال الرعاية الإجتماعية، وتزويدهم بالمعرفة اللازمة بواقع الفئات المحتاجة وأولوياتها، وهذا لا يتعارض مع روح الإحسان، بل يحقق مقصده على نحو أدق إذ إن الشريعة تجمع بين سلامة القصد وصواب العمل، حيث قال تعالى " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " وكما قال سبحانه " ولا تبذر تبذيرا " فمن مقتضى الأمانة أن تعرف المؤسسات من يحتاج؟ وماذا يحتاج؟ ومتى يحتاج؟ وكيف تصل إليه المساعدة بما يحفظ كرامته؟ وبذلك ينتقل العمل الخيري من مجرد المبادرات المتفرقة إلى منظومة قائمة على التخطيط.
وحصر الإحتياجات، وترتيب الأولويات، والمتابعة والتقييم، وإذا كان الطعام من أهم الضرورات التي لا تستقيم الحياة بدونها، فإن حاجة الإنسان لا تقف عند الغذاء، فقد يكون الفقير شبعانا لكنه عاجز عن شراء دوائه، أو قادرا على الطعام لكنه لا يستطيع تحمل نفقات العلاج، ومن هنا فإن مفهوم الإحسان ينبغي أن يتسع ليشمل كل ما تتوقف عليه حياة الإنسان وكرامته وسلامته، ويأتي الدواء في مقدمة هذه الاحتياجات لإتصاله المباشر بمقصد حفظ النفس، وهو أحد المقاصد الكلية للشريعة، حيث قال تعالى " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " وعليه، فإن من صور الإحسان المعاصرة توفير الأدوية للمرضى غير القادرين، والمساهمة في تكاليف العلاج والعمليات، وإنشاء صناديق للرعاية الصحية، وتوفير المستلزمات الطبية الأساسية، وخصوصا للفئات الأشد حاجة.
وكما أن الإحسان الأكمل لا يقتصر على إطعام المحتاج في يومه، وإنما يسعى إلى إزالة أسباب حاجته متى أمكن، فيكون من الإحسان أن توفر له الغذاء، ومن الإحسان الأعمق أن تساعده على إمتلاك وسيلة الكسب والعمل، وقد أرشد النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم رجلا محتاجا إلى العمل، فقال له " اذهب فاحتطب وبع " رواه أبو داود، وهذا يفتح أمام الإحسان المعاصر مجالات واسعة، كالتدريب المهني، وتمويل المشروعات الصغيرة، وتأهيل القادرين على العمل، ودعم الأسر المنتجة حتى يتحول المحتاج من متلقي دائم للمساعدة إلى قادر على إعالة نفسه والمشاركة في إعالة غيره، وهكذا يصبح الإحسان في صورته المعاصرة منظومة مستدامة تتجاوز الإطعام الموسمي إلى الرعاية الشاملة والتمكين فتسد حاجة الإنسان، وتحفظ صحته، وتصون كرامته، وتفتح له أبواب الكفاية، مستفيدة من أدوات الإدارة الحديثة، دون أن تفقد روحها الإيمانية القائمة على الرحمة والبذل والتكافل.
التعليقات الأخيرة