تحولات المشهد السياسى الأمريكى.. حرب إيران تفتح أبواب المواجهة داخل واشنطن وتضع العلاقة مع إسرائيل أمام اختبار غير مسبوق
كتب :أيمن بحر
لم تعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية مقتصرة على ساحات المواجهة العسكرية أو حسابات القوى الإقليمية بل امتدت آثارها إلى قلب الولايات المتحدة الأمريكية لتفتح أبواباً واسعة من الجدل السياسي والمحاسبة البرلمانية وتكشف عن تباينات متزايدة داخل الإدارة الأمريكية بشأن مستقبل الحرب والعلاقة مع إسرائيل
فما يحدث داخل واشنطن يعكس مرحلة جديدة من إعادة تقييم القرارات العسكرية والسياسية بعدما أصبحت تكلفة المواجهة مع إيران حاضرة بقوة في حسابات الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري والشارع الأمريكي
ومن أبرز التطورات إعلان النائب الجمهوري توماس ماسي عزمه التحرك لطرح إجراءات مساءلة وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث تمهيداً للتصويت على عزله برلمانياً خلال الأسبوع المقبل وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بدور الوزارة في دفع الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران دون استراتيجية واضحة للخروج منها
وتشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن عدداً من الجمهوريين أصبحوا يحمّلون وزير الدفاع مسؤولية جانب من تداعيات القرار العسكري بينما تؤكد المعطيات السياسية أن القرار النهائي بالحرب يظل مسؤولية الرئيس الأمريكي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة
وفي تطور آخر كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجه لوقف المساعدات العسكرية السنوية المقدمة لإسرائيل بنهاية عام 2026 وفق تصريحاته الأخيرة مع استمرار إمكانية بيع الأسلحة الأمريكية لها وهو إعلان أثار تساؤلات واسعة بشأن مستقبل العلاقة العسكرية بين البلدين وطبيعة الالتزامات الاستراتيجية القائمة بينهما
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الجدل المتصاعد داخل الولايات المتحدة بشأن حجم الإنفاق العسكري الخارجي ومدى ارتباطه بالمصالح الأمريكية المباشرة
أما نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس فقد أعلن بوضوح أن حرب إيران كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء خسائر الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي مشيراً إلى أنه سبق أن حذر من التداعيات السياسية للحرب وأن نصيحته السابقة بإنهاء المواجهة كانت في تقديره نصيحة صحيحة
كما سبق لفانس أن أشار علناً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ارتكب بعض الأخطاء في تقديراته وأن المصالح الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة دائماً وأن واشنطن مطالبة في النهاية بتقديم مصالح الشعب الأمريكي
هذه التصريحات تعكس وجود نقاش حقيقي داخل الإدارة الأمريكية حول حدود التحالف مع إسرائيل ومدى إمكانية استمرار الدعم غير المشروط في ظل اختلاف الحسابات السياسية والعسكرية
لكن القراءة الأهم للمشهد لا تتوقف عند تصريحات المسؤولين أو الخلافات داخل الإدارة الأمريكية بل تتعلق بالتحول في طبيعة الحسابات السياسية الأمريكية نفسها
فالشعوب أصبحت أكثر اهتماماً بتكلفة الحروب وتأثيرها على الاقتصاد وأسعار الطاقة والضرائب ومستقبل الأجيال القادمة وأصبحت القرارات العسكرية تخضع لنقاش أوسع داخل المؤسسات التشريعية والإعلامية
وهنا تبرز حقيقة مهمة وهي أن الحروب لا تقاس فقط بما تحققه الجيوش في ميادين القتال وإنما أيضاً بما تتركه من آثار سياسية واقتصادية واستراتيجية على الدول التي تخوضها
وبالنسبة لمصر والمنطقة العربية فإن هذه التطورات تستوجب قراءة دقيقة بعيداً عن الانفعال أو المبالغة فكل تغير في طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية أو في مسار المواجهة مع إيران ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها وممراتها البحرية ومصالحها الاقتصادية
وتظل المصلحة المصرية والعربية في تجنب اتساع رقعة الصراع والحفاظ على أمن الدول العربية واحترام سيادتها ومنع تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية
إن ما يحدث في واشنطن يقدم درساً مهماً في السياسة الدولية مفاده أن التحالفات ليست بعيدة عن حسابات المصالح وأن القرارات العسكرية مهما بلغت قوتها تظل خاضعة لتقييم نتائجها وتكاليفها
أما الحديث عن تغير موازين القوى في العالم فلا ينبغي أن يتحول إلى مجرد شعارات أو أحكام مسبقة بل يجب أن يستند إلى الوقائع والمؤشرات السياسية والاقتصادية والعسكرية
فالعالم بالفعل يمر بمرحلة شديدة الحساسية وإعادة ترتيب الحسابات أصبحت أمراً حاضراً في عواصم القرار الكبرى
ويبقى السؤال الأهم إلى أي مدى ستؤدي تداعيات الحرب مع إيران إلى إعادة رسم شكل التحالفات الدولية في الشرق الأوسط وهل نشهد مرحلة جديدة تصبح فيها المصالح الوطنية للدول أكثر حضوراً من الالتزامات التقليدية للتحالفات؟
التعليقات الأخيرة