الجمود السياسي الإسرائيلي تهديد أمني لمصر والمنطقة العربية
بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
في خريف 2026 وجدت إسرائيل نفسها في حالة من الجمود السياسي لم تشهدها منذ عقود، فبعد انتخابات الكنيست التي لم تحسم أي معسكر فيها الأغلبية، دخلت الحياة السياسية الإسرائيلية في نفق مسدود، حيث لا نتنياهو قادر على تشكيل حكومة ولا معارضوه قادرون على ذلك، والأحزاب العربية التي حصدت تسعة عشر مقعداً أصبحت فجأة القوة التي يتوقف عليها مصير الحكومة، بينما رفضت أحزاب يهودية الجلوس معها في ائتلاف واحد، هذا الشلل ليس مجرد أزمة داخلية إسرائيلية، بل هو تهديد أمني مباشر لمصر والمنطقة العربية، لأن الفراغ السياسي في إسرائيل لا يعني توقف السياسات، بل يعني انفلاتها من أي رقابة أو مساءلة، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في دولة تملك واحدة من أقوى الجيوش في المنطقة وتتعامل مع قضايا وجودية تمس الأمن القومي لدول الجوار.
جوهر الخطر يكمن في أن الجمود السياسي يجعل إسرائيل دولة بلا قيادة قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، وفي الوقت نفسه دولة لا تتوقف عن العمل العسكري والأمني، فالحكومة الانتقالية التي تدير الشؤون اليومية تكون عادة أكثر جرأة في اتخاذ قرارات مصيرية، لأنها لا تخشى الحساب الانتخابي ولا المساءلة البرلمانية بنفس القدر، ولأنها تعمل في فترة قصيرة لا تترك فيها مجالاً للمراجعة، وفي ظل هذا الفراغ، تصبح القرارات المتعلقة بغزة والضفة الغربية والقدس والحدود مع مصر وسوريا ولبنان أكثر عرضة للانفلات من أي ضوابط، لأن من يتخذها لا يخشى أن يُحاسب عليها في اليوم التالي، وهذا ما يجعل مصر، التي تشترك مع إسرائيل في حدود طويلة وحساسة، في حالة تأهب دائم، لأن أي قرار إسرائيلي مفاجئ على حدود غزة، أو أي عملية عسكرية في سيناء أو في رفح، يمكن أن يحدث دون سابق إنذار ودون قناة سياسية واضحة للتواصل.
والأخطر من ذلك أن الجمود السياسي الإسرائيلي لا يقتصر أثره على القرارات الأمنية المباشرة، بل يمتد إلى تعطيل أي مسار سياسي يمكن أن يخفف التوتر في المنطقة، فالحكومة الانتقالية لا تملك تفويضاً للتفاوض على قضايا كبرى مثل حل الدولتين أو ترسيم الحدود أو قضايا اللاجئين، لأن أي تنازل في هذه الملفات سيكون بمثابة حرق سياسي لأي حكومة قادمة، وهذا يعني أن أي فرصة للسلام أو التهدئة تُؤجل إلى ما بعد تشكيل الحكومة، وما بعد تشكيل الحكومة قد لا يأتي أبداً في ظل الانقسام الحالي، وهكذا يجد العالم العربي نفسه أمام إسرائيل لا تريد الحرب ولا تريد السلام، بل تريد إدارة الصراع إلى أجل غير مسمى، وهذا الوضع هو الأخطر على الاستقرار الإقليمي، لأنه يترك كل الأطراف في حالة من الترقب الدائم دون أي أفق سياسي.
وبالنسبة لمصر تحديداً، فإن الجمود الإسرائيلي يضاعف من مخاطر السيناريوهات التي تهدد أمنها القومي. فملف التهجير القسري للفلسطينيين من غزة إلى سيناء، الذي ظل هاجساً مصرياً منذ بداية الحرب، لم يعد مرتبطاً بحكومة إسرائيلية بعينها، بل أصبح سياسة يمكن أن تنفذها حكومة انتقالية دون أن تتحمل تبعاتها السياسية، وملف الحدود بين مصر وإسرائيل، الذي يُفترض أن تحكمه اتفاقية السلام، أصبح عرضة لاختبارات متكررة من جانب حكومات إسرائيلية متعاقبة لم تلتزم دائماً بروح الاتفاقية، وملف غزة نفسه، الذي تديره مصر بوصفها وسيطاً رئيسياً، أصبح أكثر تعقيداً لأن أي اتفاق مع إسرائيل قد لا يصمد بعد تغيير الحكومة، مما يجعل كل جهد مصري في التهدئة عرضة للانهيار في أي لحظة.
والأمر لا يتوقف عند مصر، بل يمتد إلى الأردن الذي يراقب بقلق شديد ما يحدث في القدس والضفة الغربية، وإلى السعودية التي ربطت أي تطبيع مع إسرائيل بخطوات جدية نحو الدولة الفلسطينية، وإلى دول الخليج التي تبحث عن استقرار إقليمي يمكنها من خلاله بناء اقتصادها، الجمود الإسرائيلي لا يعني فقط عدم قدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات سلام، بل يعني أيضاً عدم قدرتها على اتخاذ قرارات حرب شاملة، وهذا مزيج خطير لأن الدولة التي لا تستطيع أن تقرر لا سلاماً ولا حرباً تلجأ عادة إلى إدارة الأزمات بالوسائل التكتيكية، والوسائل التكتيكية في غزة والضفة والقدس تعني مزيداً من الدم ومزيداً من التوتر ومزيداً من انعدام اليقين.
في النهاية، يمكن القول إن الجمود السياسي الإسرائيلي ليس مجرد مشكلة داخلية تتعلق بالائتلافات والمقاعد، بل هو تهديد أمني حقيقي لمصر والمنطقة العربية، لأنه ينتج دولة بلا استراتيجية واضحة وبلا قيادة قادرة على الالتزام، ودولة كهذه في منطقة مشتعلة هي وصفة مضمونة لعدم الاستقرار، وما تحتاجه المنطقة ليس فقط انتظار تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، بل بناء آليات إقليمية قادرة على احتواء أي انفلات في الفترة الانتقالية، لأن الأمن القومي المصري والعربي لا يمكن أن يترك رهينة لتقلبات السياسة الداخلية في إسرائيل
التعليقات الأخيرة