احتفلوا بانتصار غيرهم وتوهموا أنه انتصارهم ... الإخوان
كتبت : د. ليلى الهمامي
فرحٌ صاخب، وزغاريد، واحتفالات على منصات التواصل... هكذا استقبل الإخوان انتصار الحزب الديمقراطي في التجديد النصفي الأمريكي، واعتبروه اختراقا تاريخيا للكتلة الإسلامية للطبقة السياسية الأمريكية.
وهنا يكمن الخطأ الجوهري. وهنا تكمن السذاجة السياسية التي لم يبرأ منها هذا التيار أبدا. إنهم لم يستوعبوا خصوصية النظام السياسي الأمريكي. أمريكا، نعم، محكومة بمؤسسات وانتخابات حرة واقتراع عام سري ومباشر، ونظام المجمع الانتخابي في الرئاسية. لكن العملية السياسية في واشنطن أعقد بكثير من صناديق الاقتراع.
هنالك أطراف أساسية تصنع السياسة الأمريكية، وهي خارج كل المؤسسات المنتخبة.
الحكومة الخفية
هي الأجهزة التي لا تنتخب، ولا تُحاسب بالاقتراع: أجهزة المخابرات والوكالات المرتبطة مباشرة بالأمن القومي الأمريكي في الداخل والخارج. هي التي ترسم الخطوط الحمراء، وتحدد ما هو مسموح وما هو محظور، أيا كان اسم الرئيس ولونه ودينه.
وكارتلات النفوذ التي وراءها أخطر العائلات
وهي الركيزة الأولى للسياسة الأمريكية: كارتل المال والبنوك وكارتل السلاح، وكارتل النفط وكارتل الغاز... هذه الكارتلات تموّل، وتراقب، وتوجه السياسات العامة. هي التي تصنع الناخب، قبل أن يصنع الناخب الرئيس.
أن يكون باراك أوباما أول رئيس أسود في تاريخ أمريكا، وأن يصل عبد الرحمن محمد السيد، المصري الأصل، إلى مجلس الشيوخ الأمريكي لأول مرة في التاريخ، وأن يصل زهران ممداني، المسلم الهندي الأصل، إلى منصب عمدة نيويورك، وأن تدخل مسلمات ومحجبات وسود وأقليات إلى الكونغرس الأمريكي، كل هذا واجهة جميلة. واجهة جميلة لسياسات تحددها الحكومة الخفية وتستوعبها كارتلات النفوذ.
ولكي لا يخدعكم أحد بالأرقام، هذه هي الحقيقة: عبد الرحمن محمد السيد فاز بمقعد الشيوخ عن ولاية ميشيغن بـ 2.207.507 صوتا، بنسبة 52%، مقابل 1.955.024 صوتا لمنافسه الجمهوري مايك روجرز، بنسبة 46%. فوز حقيقي، نعم. لكنه فوز داخل النظام، لا فوز على النظام. فوز سمحت به الحكومة الخفية، ولم يزعج كارتلات النفوذ.
إنها عملية استيعاب للأقليات داخل حظيرة السياسات الرسمية، لا انقلاب عليها. إنها تجميل للواجهة الإمبريالية، لا تفكيك لها.
والدليل ساطع، لمن أراد أن يرى:
هل سمعتم من بين هؤلاء "المنتصرين" من عارض التدخل في فنزويلا واعتبره عدوانا استعماريا على دولة مستقلة؟ هل سمعتم موقفا جديا، خارج مزايدات كواليس الكونغرس وبعض المنابر الإعلامية، يرفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أو يرفض إغلاق مضيق هرمز؟ أبدا.
لأن الناخب الأمريكي، في جوهره، لا تحركه القضايا العادلة... الناخب الأمريكي تحركه الحياة اليومية ومصلحته الفردية. ما يعنيه هو سعر المحروقات، كلفة التدفئة، كلفة وقود السيارة، ماذا ينفق وكيف يعيش. الناخب الأمريكي ناخب منغلق على محيطه الضيق، على مدينته، على ولايته، على شارعه، ناخب أناني في معيشته، متخلف عن فهم العالم.
وبالتالي، فإن كل الصور الجميلة التي سوّقت لها بروباغندا الإخوان عندنا، عن "وعي أمريكي جديد بالقضايا العادلة" هي وهم مصنوع.
الحقيقة التي يرفض الإخوان استيعابها هي أنه، حتى لو أصبح عبد الرحمن محمد السيد نفسه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، لن يقدم لنا هدايا، ولن يمنحنا تنازلات استراتيجية ولا حتى امتيازات ولا اعترافات. لن ينكر حق إسرائيل في الوجود. لن ينكر حق إسرائيل في "الدفاع عن نفسها". لن ينكر حق إسرائيل في أن تكون قوة نووية. ولن يطالب أبدا بتفتيش إسرائيل نوويا.
تلك هي ثوابت الحكومة الخفية. تلك هي خطوط كارتلات النفوذ. ومن يتجاوزها، يُحاصَر ويُسحَق، أيا كان اسمه. هذا ليس انطباعا، هذه حقيقة وواقع.
احتفال الإخوان إذاً يفضحهم أكثر مما ينصرهم. يفضح أنهم لا يزالون يطاردون الوهم نفسه: الحلم بالعودة إلى الحكم بقرار خارجي، بقرار أمريكي.
هم لا يراهنون على الشعوب، بل على واشنطن. ولا ينتظرون التغيير من الداخل، بل من البيت الأبيض.
وإلى أن يفهموا أن أمريكا لا تصنعها الانتخابات، بل تصنعها الحكومة الخفية وكارتلات النفوذ والمصالح، سيبقون يحتفلون بانتصارات الآخرين، ويتوهمون أنها انتصاراتهم.
التعليقات الأخيرة