بين النقد المؤسسي والتطاول الفردي: تفكيك الجدل حول الإمام الشعراوي
بقلم: أشرف عبد الحميد
يعود إلى الساحة الإعلامية بين الحين والآخر الجدل السجالي المحتدم حول قامات الفكر والدعوة في مصر والعالم الإسلامي، وفي مقدمتهم إمام الدعاة فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي (رحمه الله). وتأتي التصريحات والنقد الموجه من الإعلامي الدكتور محمد الباز لتدخل ضمن هذا السجال الممتد بين نقد التراث ورجاله وبين الرمزية المجتمعية والسيادية لعلماء الأمة.
إن القراءة الوطنية المتزنة لآراء ونقد رموز المؤسسة الدينية تقتضي التمييز الصارم بين حق المراجعة والنقد الفكري الموضوعي، وبين محاولات الهدم المعنوي والتطاول الشخصي الذي يمس الوجدان القومي والسلام المجتمعي.
أولاً: مكانة الشيخ الشعراوي في الوعي الجمعي العربي والمصري
لم يكن الشيخ الشعراوي مجرد عالم دين، بل كان ظاهرة فكرية واجتماعية استثنائية استطاعت بسط خواطرها القرآنية في وجدان الملايين:
العبقرية في التبسط والوصول: استطاع الشعراوي تقريب المعاني القرآنية والتفسير الميسر لكافة فئات المجتمع، مما جعل حديثه ركناً أساسياً في بناء الهوية الثقافية والدينية للمواطن العربي.
الرمزية والمؤسسية: يمثل الشيخ الشعراوي تجلياً للأزهر الشريف ومدرسة الوسطية المصرية التي صدّرت الفكر الإسلامي المعتدل إلى العالم، وأوجدت حائط صد أمام الفكر المتطرف والمنغلق.
ثانياً: النقد الفكري المسبّب مقابل "الاستعراض الإعلامي"
إن فتح ملفات النقد ومراجعة الفتاوى أو المواقف السياسية والاجتماعية للرموز التاريخية أمر مشروع ومكفول، فالعصمة للأنبياء وحدهم، والشيخ الشعراوي نفسه لم يدّعِ العصمة لآرائه واجتهاداته البشرية. إلا أن الخط الفاصل بين "النقد الفكري" و"الإساءة الإعلامية" يتضح في النواحي التالية:
المنهجية والأدب العلمي: النقد الموضوعي يتناول الفكرة بالقارنة والمحاجة العلمية والشرعية، دون اللجوء للأوصاف الجارحة أو التوصيفات الاتهامية المبتذلة التي تهدف إلى جلب الضوضاء الإعلامية (Trend) على حساب القيمة الفكرية.
سياق العصر والاجتهاد: يخطئ من يحاكم اجتهادات وآراء فقهية قيلت في ظروف ومراحل زمنية سابقة بمعايير ولغة اليوم، دون مراعاة السياق التاريخي والاجتماعي الذي صدرت فيه تلك الخواطر.
ثالثاً: الأبعاد السيادية والأمن المجتمعي
إن الهجوم المتكرر والحاد على رموز المجتمع القوميين والدينيين يحمل تداعيات تضر بالبناء الداخلي للدولة:
استنزاف الثقة بالمؤسسات: محاولات تسقيط القامات التاريخية ومهاجمتها بأسلوب صدامي تضعف ثقة الأجيال الجديدة في تاريخها ورموزها الوطنية والدينية، مما يخلق فراغاً فكرياً يسهل استغلاله من قبل التيارات المتطرفة أو المغرضة.
صيانة السلام المجتمعي: حماية المجال العام من المناكفات الإعلامية الشديدة الاستقطاب تُعد واجباً سيادياً؛ فالاستقرار المجتمعي يستند إلى احترام التراث والرموز بالتوازي مع التطوير والتحديث الواعي.
الخلاصة
إن الرد العلمي والحضاري على تصريحات الدكتور محمد الباز أو غيره ممن ينقدون الشيخ الشعراوي لا يكون بالانسياق وراء السب أو المهاترات السطحية، وإنما عبر إرساء ثقافة النقد المنضبط، وتفنيد الشبهات بالدليل والبيان، وصيانة رموز الأمة من المهانة، مع بقاء باب الاجتهاد والنقد الفكري المسبب مفتوحاً وفق القواعد العلمية والمؤسسية الراسخة.
التعليقات الأخيرة