هيرودوت (1/1) أبو التاريخ وشهادته عن الفينيقيين *
ملفينا توفيق ابو مراد / لبنان
*
هيرودوت هو مؤرخ يوناني عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، واشتهر بلقب «أبو التاريخ». وفي كتابه المعروف بـ «التواريخ» ترك لنا عددًا مهمًا من الروايات والمشاهدات المتعلقة بالفينيقيين، تناول فيها وجودهم البحري والتجاري، ومدنهم، وبعض معتقداتهم، وعلاقتهم بالعالم اليوناني.
وتزداد أهمية شهادته لأنه لم يعتمد دائمًا على الروايات التي سمعها فقط، بل يذكر في مواضع عدة أنه سأل، وتحقق، ورأى بنفسه.
أصل الفينيقيين
ينقل هيرودوت رواية تقول إن الفينيقيين كانوا، بحسب ما قاله الفينيقيون أنفسهم، قد أقاموا في الأصل بالقرب من البحر الأحمر قبل انتقالهم إلى الساحل السوري. ويكرر هذه الرواية في موضع آخر عند حديثه عن الفينيقيين المشاركين في الأسطول الفارسي.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن مصطلح «البحر الأحمر» عند هيرودوت لا يطابق بالضرورة المفهوم الجغرافي الحديث للبحر الأحمر وحده؛ فقد كان مفهوم «البحر الإريثري» في الجغرافيا القديمة أوسع من ذلك. لذلك لا يصح تحويل روايته إلى حقيقة جغرافية قطعية حول موطن الفينيقيين الأول.
أما في موطنهم الاصلي ، فقد ارتبط اسم فينيقيا بالمدن الساحلية الكبرى، وفي مقدمتها صور وصيدا، اللتان أصبحتا من أهم مراكز التجارة والملاحة الفينيقية.
الفينيقيون: تجار وبحارة
تظهر الفينيقيون في كتاب هيرودوت باعتبارهم شعبًا بحريًا ذا خبرة واسعة في الملاحة والتجارة.
ومن الشهادات اللافتة أنه عند وصف الأسطول الفارسي في عهد خشايارشا، يذكر أن الفينيقيين قدموا 300 سفينة، وأن أفضل السفن البحرية كانت، بحسب تقييمه، من نصيب الفينيقيين، ولا سيما الصيدونيين.
وهذه الشهادة تكشف جانبًا مهمًا من مكانتهم البحرية، إذ لم تكن مشاركتهم في الأسطول الفارسي مجرد عدد من السفن، بل ارتبطت أيضًا بسمعة بحرية عالية.
رحلة الفينيقيين حول إفريقيا
ومن أهم الروايات التي حفظها هيرودوت عن الملاحة الفينيقية، رواية الرحلة التي أمر بها الملك المصري نخاو الثاني.
بحسب روايته، أرسل نخاو مجموعة من الفينيقيين في سفنهم من البحر الأحمر، وأمرهم بالإبحار حول ليبيا ــ أي إفريقيا ــ حتى يعودوا إلى مصر من جهة البحر الشمالي عبر أعمدة هرقل.
ويقول هيرودوت إن الرحلة استغرقت ثلاث سنوات، وإن البحارة كانوا يتوقفون في أثناء الرحلة ويزرعون ويحصدون ثم يتابعون الإبحار. والأهم أنه نقل عنهم قولهم إنهم، أثناء الإبحار حول إفريقيا، كانت الشمس تظهر لهم من جهة اليمين. ثم يضيف هيرودوت عبارته الشهيرة التي تفيد بأنه لا يصدق هذه الرواية، وإن كان قد يصدقها غيره.
وهنا علينا ألا نقول إن هيرودوت «أثبت» الرحلة؛ فهو نفسه لم يجزم بها، وإنما نقل الرواية وتركها موضعًا للتساؤل.
أما بالنسبة إلى العلم الحديث، فإن وصف الشمس على يمين البحارة أثناء الإبحار جنوبًا ثم غربًا يتوافق من حيث المبدأ مع كونهم في نصف الكرة الجنوبي، ولذلك بقيت الرواية موضع اهتمام كبير لدى الباحثين
٢٠٢٦/٨/١٣
التعليقات الأخيرة